السيد محمد حسين فضل الله
64
من وحي القرآن
قالوا : فمن أبوه ؟ فنزل الوحي على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم فقال : قل لهم : ما تقولون في آدم ، أكان عبدا مخلوقا يأكل ويشرب ويحدث وينكح ؟ فسألهم النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، فقالوا : نعم . قال : فمن أبوه ؟ فبهتوا ، فأنزل اللّه : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ الآية ، وقوله : فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إلى قوله : فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم : فباهلوني ، فإن كنت صادقا أنزلت اللعنة عليكم ، وإن كنت كاذبا أنزلت عليّ . فقالوا : أنصفت ، فتواعدوا للمباهلة ، فلمّا رجعوا إلى منازلهم قال رؤساؤهم السيد والعاقب والأهتم : إن باهلنا بقومه باهلناه فإنه ليس نبيا ، وإن باهلنا بأهل بيته خاصة لم نباهله ، فإنه لا يقدم أهل بيته إلا وهو صادق . فلمّا أصبحوا جاءوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم ومعه أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين عليهم السّلام ، فقال النصارى : من هؤلاء ؟ فقيل لهم : هذا ابن عمّه ووصيّه وختنه علي بن أبي طالب عليه السّلام ، وهذه ابنته فاطمة عليها السّلام ، وهذان ابناه الحسن والحسين عليهما السّلام ، ففرقوا فقالوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم : نعطيك الرضى فاعفنا من المباهلة ، فصالحهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم على الجزية وانصرفوا » « 1 » . أسلوب الحوار الاسلامي ولعل قيمة هذه القصة ، أنها تجسد لنا الأسلوب الإسلامي في الحوار ؛ حين يريد الاحتجاج لفكره من جهة ، ومواجهة الأفكار المضادة من جهة أخرى ، وتعرّفنا مبلغ التسامح الإسلامي الذي يريد لأتباعه أن يمارسوه مع الآخرين ، انطلاقا من الممارسات النبوية الرائعة ، من مركز القوة لا من مركز الضعف .
--> ( 1 ) نقلا عن : تفسير الميزان ، ج : 3 ، ص : 264 .